العيني
185
عمدة القاري
بن أبي أويس الأصبحي المدني القرشي ، أبو بكر الأعمش . مات سنة اثنتين ومائتين . وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن وقد مر عن قريب . بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة . ومنها : أن فيه رواية الأخ عن الأخ . ومنها : أن رواته مدنيون ، وهذا الحديث انفرد به البخاري عن الجماعة . بيان اللغات : قوله : ( وعاءين ) تثنية وعاء ، بكسر الواو وبالمد ، وهو الظرف الذي يحفظ فيه الشيء ، ويجمع على : أوعية ، ويؤخذ منه الفعل . يقال : أوعيت الزاد والمتاع إذا جعلته في الوعاء ، قال عبيد بن الأبرص : * الخير يبقى ولو طال الزمان به * والشر أخبث ما أوعيت من زاد * قوله : ( فبثثته ) أي : نشرته ، يقال : بث الخير : وأبثه بمعنى . قال ذو الرمة : * غيلان وأسقيه حتى كاد مما أبثه * وبثثت الغبار : إذا هيجته ، وبثثت الخبر : شدد للمبالغة ، وبثثت الخبر : كشفته ونشرته ، والتركيب يدل على تفريق الشيء وإظهاره . بيان الإعراب : قوله : ( حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هكذا رواية الكشميهني ، وفي رواية الباقين : ( حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وهي أصرح لتلقيه من النبي ، عليه الصلاة والسلام ، بلا واسطة . قوله : ( وعاءين ) ، منصوب لأنه مفعول : حفظت . قوله : ( فأما أحدهما ) كلمة : أما ، هي التفصيلية وقوله ( فبثثته ) جواب : أما ، وإنما دخلت عليه الفاء لتضمنها معنى الشرط . وقوله : ( وأما الآخر ) . أي : وأما الوعاء الآخر ، وجوابه قوله : ( فلو بثثته ) ، وقوله : ( لقطع هذا البلعوم ) جواب : لو ، ويروى قطع بدون اللام ، و : ( البلعوم ) مرفوع بإسناد قطع ، إليه وهو مفعول ناب عن الفاعل . بيان المعنى : فيه ذكر المحل وإرادة الحال ، وهو ذكر الوعاء ، وإرادة ما يحل فيه . والحاصل أنه أراد به نوعين من العلم ، وأراد بالأول : الذي حفظه من السنن المذاعة لو كتبت لاحتمل أن يملأ منها وعاءً . وبالثاني : ما كتمه من أخبار الفتن ، كذلك . وقال ابن بطال : المراد من الوعاء الثاني أحاديث أشراط الساعة ، وما عرف به النبي ، عليه الصلاة والسلام ، من فساد الدين على أيدي أغيلمة سفهاء من قريش ، وكان أبو هريرة يقول : لو شئت أن أسميهم بأسمائهم ، فخشي على نفسه فلم يصرح ، وكذلك ينبغي لكل من أمر بمعروف إذ خاف على نفسه في التصريح أن يعرض ، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها في الحلال والحرام ما وسعه كتمها بحكم الآية . ويقال : حمل الوعاء الثاني الذي لم ينبه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء الجور وأحوالهم ووذمهم ، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضهم ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم ، كقوله : أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان ، يشير بذلك إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة ، فاستجاب الله دعاء أبي هريرة ، فمات قبلها بسنة . فإن قيل : الوعاء في كلام العرب الظرف الذي يجمع فيه الشيء ، فهو معارض لما تقدم مما قال : إني لا أكتب ، وكان أي عبد الله بن عمرو يكتب . أجيب : بأن المراد أن الذي حفظه من النبي ، عليه الصلاة والسلام ، من السنن التي حدث بها وحملت عنه ، لو كتبت لاحتمل أن يملأ منها وعاء ، وما كتمه من أحاديث الفتن التي لو حدث بها لقطع منه البلعوم ، يحتمل أن يملأ وعاء آخر ، ولهذا المعنى قال : وعاءين ، ولم يقل : وعاءً واحدا لاختلاف حكم المحفوظ في الإعلام به والستر له . وقالت المتصوفة : المراد بالأول : علم الأحكام والأخلاق . وبالثاني : علم الأسرار ، المصون عن الأغيار ، المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان . وقال آخرون منهم : العلم المكنون والسر المصون علمنا ، وهو نتيجة الخدمة وثمرة الحكمة ، لا يظفر بها إلاَّ الغواصون في بحار المجاهدات ، ولا يسعد بها إلاَّ المصطفون بأنوار المجاهدات والمشاهدات ، إذ هي أسرار متمكنة في القلوب لا تظهر إلاَّ بالرياضة وأنوار لامعة في الغيوب لا تنكشف إلاَّ للأنفس المرتاضة . قلت : نعم ما قال ، لكن بشرط أن لا تدفعه القواعد الإسلامية ولا تنفيه القوانين الإيمانية إذ ما بعد الحق إلاَّ الضلال . فإن قلت : قد وقع في مسند أبي هريرة : حفظت ثلاثة أجربة . فبثثت منها جرابين ، وهذا مخالف لحديث الباب ؟ قلت : يحمل على أن الجرابين منها كانا من نوع واحد وهو الأحكام ، وما يتعلق بظواهر الشرع ، والجراب الآخر الأحاديث التي لو نشرها لقطع بلعومه ، ولا شك أن النوع الأول كان أكثر من النوع الثاني ، فلذلك عبر عنه بالجرابين ، والنوع الثاني بجراب واحد فبهذا حصل التوفيق بين الحديثين . ولقد أبعد بعضهم في قوله : يحمل على أن أحد الوعاءين كان أكبر من الآخر بحيث يجيء ما في الكبير في جرابين ، وما في الصغير في واحد . قوله : ( فبثثته ) زاد الإسماعيلي : ( في الناس ) .